يبدُو المكانُ خاليًا من الطَالبات ،
إنها عطلةُ نهاية الاسبوع ومعظمهن عُدن
لبيوتهن الساعةُ التاسعةُ وخمسة عشر دقيقة ،
بقيت ربع ساعة عن موعد إغلاق المَطعم وانتهاء وقت وجبة العشاء .
يومَها ، كنتُ أشعرُ بالوَهن والوحدَة وددتُ العودة للبيت ولكن التقاريرَ والأعمال الخاصة بالمقررات الجامعية منعتنِي .
تتكدسُ على طاولتِي تنتظرُني لأنجزها ولم أفعل كنتُ مشغولةً بالتفكير - بوجه أُمي - والشوق إليه .
لم أستطع مُمارسة أي شيء ، فمِزاجي متعكرٌ جدًا ولكن يجبُ أن آكل كـ واجبٍ يومي محتم عليّ فعله ولأن أمي ستتصلُ بعد قليل وستسألني إن أنجزته أم لا لم أكن مستعدةً لأن أقولها لها أنني لم أفعل وتنشغلَ عليّ .
إتجهتُ للمطعَم ، لا أذكرُ كم خطوةً توجب علي السير لأصبح به متنقلةً بابتسامةٍ زائفة لموظفة المطعم التي تسألني بين طبق وآخر ، " تريدين هذا ؟ " .
أجبتُها بـ لا في كُل الحالات .
ثمَ أخذتُ رغيفَ خبزٍ وشريحة جبن ، قنينة حليب وحباتُ زيتونٍ ، قصدتُ الطاولةَ الفارغة بزاويةِ المطعَم ، قبالةَ الجدار - مكاني المُعتاد - أحبُ الركونَ للزوايَا وحشرَ كلي بها لأشعرُ بضآلتي ، وباتساعِي . . / بعُزلتي .
لا يُقابلني سوى جدارٌ أبيضٌ - لا يعرفُني ، أشعرُ أنه وحيدٌ مثلي اليومَ أيضًا ، أصواتٌ الفتياتِ الجنوبياتِ تعلُو ، تصيبُني بالصُداع ولكننِي اعتدتُ عليها ، إنها طقسٌ يومي أفتقدهُ لو غاب .حديثُهن - بالنسبةِ لي - كأغنيةٍ آسيوية يستمع لها شيّف المطعم وهو بغرفة التحضِير أعتدتُ سماعها ولكنني لا أفقهُ فيهِا أي شيء ، ولكلٍ منهما جماليةٌ خاصة تحافظُ على اتزانِ الحياةِ اليومية بالمطعَم ، تُشعرك أنكَ ما زلتَ تمارس الروتين اليومِي لكَ على أكملِ وجه .
. .
سمعتُ من خَلفِي صوتًا ينادي اسمي ، لم ألتَفت .
لستُ بمزاجٍ يسمح لي بالحَديث - مجاملةً مع أحد -
حط الصوتُ على كتفي مقتربًا ، اضطررتُ للالتفات .
اوه ، إنها فوزِية ، طالبةُ فنون تشكِيلية ، بشُوشة وفي حقيقة الأمر لا أعلم في أي سنةٍ جامعيةٍ هي .
التقيتُها مرارًا ، مع صديقاتٍ لي وكل ما بيننا كان تحية عابرَة وحديث ينتهي بـ " نلتقي على خَير أو تصبحين على خير " أُحب روحهَا وابتسامتَها ولكِن - تُخيفني نظراتها أحيانًا ، وتمعنُها هه ، أشعر أنها تفتشُ فيّ عن شيء بكُل مرةٍ ألتقيهَا ، لذلك أنهي حديثي معها سريعًا وأمض بعذر " توقيعِ الحضور بالسكَن بمنتصف التاسعَة " .
شاركتنِي الطاولةَ يومهَا ، حيتنِي ودعوتها للجُلوس ، تحدثنَا في أمورٍ عنهَا - كنت متحفظةً أمامها - لم أذكر أني أشعرُ بالوحدة وأنني سعيدةٌ لجلوسها بالقُرب ولكِن أظن أنها علِمت ذلك ، أخبرتنِي أنها مُهتمةٌ بعِلم الفِراسة وأنها تمتلكُ موهبةَ قراءة الأشخَاص ، أدهشنِي ذلك فقلتُ مازحةً : اقرئيني إذًا . .
حملقَت فيّ لنصفِ دقيقة ثُم قَالت بحَزم :
" أنتِ إنسانةٌ وطمُوحة ، عنيدةٌ ومِزاجيةٌ جدًا متى ما شئتِ تأنقتِ ووضعتِي المكياجَ وإن لم يشأ مزاجكِ لم تفعلي . .
- ابتسمتُ وقلت ، صحيح أتأنقُ لو كان مزاجي سيئًا هه .-
أردفَت بعد أن وضعت عينها بعينِي بتركِيز ، أنتِ بداخلكِ سرٌ كبيِر ، تنتظرِين شيئًا منذ زمنٍ بعِيد / شيئًا كبيرًا لم تطلعِي أحدًا عليهِ .
اتسعّت عيناي مشدُوهةً ، أدهشتنِي براعتُها فحبستُ نظراتِي سريعًا بالطاولةِ لئلا تُكمِل ! خِفتُ كثيرًا من أن تستمرَ في اختراقِي بنظراتِها ، من أن تعبُرني بخفةٍ تامةً أكثر وتسبرَ أغوارِي ، أحسستُ بالرغبة في أن تكمل ولا تفعَل ، تسارعَ نبضي ، ألهذا الحدّ أنا شفافةٌ أمامكِ ؟ عاريةٌ ملامحُ وجهي أمام مرآتكِ ؟ أيُعقلُ أن يكُون قريني من أخبرهَا ! هه سُخف ولكِن كيف لهَا أن تعرِف ! كيفَ لها أن تتعمقّ في وتغرقَ دون أن تبتلَ عيناهَا ! ثُم ما الذي أنتظرهُ أنا ، إنني أنتظرُ أشياءً كثيرة لا أُحصيها ، إنها تعرفني أكثرَ من نفسي ! . . ياللهول !
أخفيتُ توترِي ، كنتُ أبتسم وأنا أعيد ترتيبَ حباتٍ الزيتون بالصحن - يخيفني أن تعلم بتوتري وتتأكد من شُكوكها حيالَ ما رأت .
- وما هُو هذا الذي أنتظرهُ ؟
- لا أعلَم ، لا يمكننِي تمييزُ ذلك الآن ولكن كما أخبرتكِ شيءٌ كبيرٌ / تنتظرينهُ بشغَف وترقُب هُو بعيدٌ عنكِ ولكنكِ تقتربينَ منه بِبُطئ .
أراحنِي حقًا أنها لا تعرفُه ، كيفَ لها أن تفعلَ وأنا لستُ أدري ما هُو ! .
ابتسمَت لي مُجددًا وقَالت بلُطف : أنتِ جمِيلة ولكنكِ لا تُظهرين جمالكِ - إلا أحيانًا - مُخلصةٌ ومنتميةٌ بقوة لما تُحبين ، يروقُ لكِ الاحتفاظُ بالأشياءِ القديمة خاصتكِ .
تُقدسينها جِدًا ، فقدتِ شيئًا ما منحكِ القُوة والصَبر .
تستمعينَ طويلًا لمن حولكِ ، دقيقةُ الملاحظَة ، اجتماعيةٌ لا تروقُ لكِ الفوضَى .
تنفستُ طويلًا وأنا أستمعُ لهَا وفكرتُ كثيرًا لم أشأ أن أُقاطعها ، إلا بابتسامة قالت لي أنها تُعجبها - حسب ما تظن - مددتُ لها كفي لتعبُرني ، لتتوغلَ بعُمق تامٍ فيّ علها في منتصفِ طريقها تُهديني بوصلةً لأجدنِي
أو خريطةً منسيةً كلُ طرقها تؤدي إليّ .
أننِي أعلمُ أنني في حالةِ ترقبٍ دائِم للأشيَاء ، للأحلامِ ، للقاءَات ، خُلقنَا من طينٍ توغلَ بانتظارٍ طويل ، رُبما كان يرجُو أن يعُود لفردوسه الأزلِي ، لأن يحظى بالنعِيم اللامنتهِي ، أن يحيَا حياةً دونَ مزيدٍ من الترقُب .
ويتخلصَ من بدايةِ أي تفصيلٍ ومُنتهَاه ، هكذا دونَ خطوطٍ أو حدودٍ للأزمنةِ ، امتدادٌ أبدِي فحَسب .
صَمتُ طويلًا ، فأردفَت هي أنها تستأذنني للمُذاكرة وإنجازٍ لوحةٍ ما ، وعدتني أنها ستتفرسُ بملامحي أكثر بوقتٍ لاحق .
رجوتُ لها التوفيقَ ، عاودتُ الجلوسَ على مقعدِي
مندهشةً مما سمعتُ ، مضَت فوزِية وبقيتُ أنا أحملقُ بالجدارِ الذي أمامِي أظنهُ يعرفنِي الآن أكثرَ مما أعرفُني
.
.
.
ويعلمُ لِما أحبُ الرُكون للزوَايا . .
تمَت .

جواهر❤️
ردحذف